الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
207
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
ليس على ما ينبغي وإنما يتم ذلك لو ادعي استحقاق الذم على تركها مع قطع النظر عن أدائها إلى ترك غيرها وهو مع وضوح فساده لا يدعيه المستدل في المقام وإن كان إطلاق كلامه قد يوهم ذلك وكذا ما يقال في المقام من أن الذم هنا إنما هو على ترك نفس الواجب مع القدرة عليه لا على مجرد ترك المقدمة وإنما توهم المستدل ذلك من جهة تقارنهما في الخارج فإنه كثيرا ما يقع الاشتباه في أحوال المتقارنين في الوجود فيثبت حال أحدهما للآخر ولذا يتخيل كون الذم الوارد على ترك ذي المقدمة واردا على ترك المقدمة وذلك للقطع بصحة ورود الذم على ترك مقدمته من حيث أدائه إلى ترك الواجب وهو كاف فيما هو المقصود كيف ولو كان الاشتباه من جهة المقارنة بينهما في الوجود لزم الحكم بورود الذم على ترك المقدمة بملاحظة ذاتها مع أنه لا يحكم العقل به أصلا بل كثيرا ما لا يقارن بينهما في الخارج ألا ترى أن ترك المسير إلى الحج مع الرفقة الأخيرة يذم على ذلك عند العقلاء يحكم حينئذ بفسقه مع أنه لم يتحقق منه حينئذ إلا ترك المقدمة وقد يقال إنه إن تم الوجه المذكور في الجملة فلا يجري في جميع الموارد كما إذا كان المكلف غافلا عن وجوب المقدمة أو لا يكون قائلا بوجوبها نظرا إلى اختلاف الأنظار في ذلك إذ لا وجه حينئذ لترتب الذم على تركها ولا للقول بوجوبها ويدفعه أن الحال في وجوب المقدمة لا يزيد على سائر الواجبات فإذا لم تكن الغفلة عن سائر الواجبات باعثة على سقوط وجوبها في أصل الشريعة وإن كان عذر خصوص الغافل في تركه لها فكذا في المقام على أنه قد يقال بأن الغفلة عن وجوب المقدمة مع عدم الغفلة عن وجوب المقدمة كونها مقدمة لا يقضي بسقوط وجوبها ولذا يصح ورود الذم على تركها سواء كان قائلا بوجوب المقدمة أو لا غافلا عن وجوبها أو لا وذلك لأن المفروض كون وجوبها غيريا وقد فرض علمه بوجوب الغير وبأداء تركها إلى ترك ذلك الغير ذلك كاف في استحقاق الذم على تركها من جهة الذم على تركها من جهة الأداء إلى ترك الغير فلا تمنع الغفلة المفروضة عن تعلق الوجوب بها على النحو المذكور أو يقال إن العلم بالمقدمة والعلم بوجوب ذيها لا ينفك عن العلم بوجوبها لأجلها غاية الأمر أن يكون غافلا عن علمه به فالعلم المعتبر في تعلق التكليف حاصل في المقام وإن كان غافلا عن حصوله فتأمل قوله إن المقدور كيف يكون ممتنعا إلى آخره يريد أنا نختار بقاء الواجب على وجوبه بعد اختيار المكلف ترك مقدمته قولكم إن حصول الواجب حال انتفاء ما يتوقف عليه ممتنع فيلزم التكليف بالمحال قلنا هذا فاسد إذ الكلام في المقام إنما هو في المقدمات المقدورة حسبما ذكر في عنوان البحث وحينئذ فلا يعقل أن يكون المقدور ممتنعا حال تركه كيف ومن الواضح أن الخلاف في وجوب مقدمة الواجب ليس في خصوص المقدمة الموجودة فإذا كانت المقدمة المقدورة مع كونها مقدورة محلا للنزاع فكيف يعقل أن يكون بمجرد ترك المكلف غير مقدورة فإذا تحقق حصول القدرة على المقدمة فلا محالة يكون الواجب المتوقف عليها مقدورا أيضا إذ لا باعث على انتفاء القدرة عليه من وجه آخر كما هو المفروض في محل البحث وقد تحقق أن عدم الإقدام على إيجاد المقدمة لا يجعلها خارجة عن القدرة فمن أين يجيء التكليف بالمحال كيف وقد اعترف المستدل بحصول القدرة على الواجب مع البناء على وجوب مقدمته فكيف لا يكون مقدورا مع البناء على عدم وجوبها وتأثير الإيجاب في القدرة غير معقول بل لا يتعلق الإيجاب بالفعل إلا بعد مقدوريته فالقول بكون التكليف بالفعل حينئذ من قبيل التكليف بغير المقدور واضح الفساد وقد يقرر الجواب المذكور بوجه آخر بأن يقال بعد اختيار الشق الأول من الترديد أن الممتنع هو الإتيان بذي المقدمة بشرط انتفاء مقدمته لا في حال عدمها ألا ترى أن الكافر مكلف بالعبادات الشرعية في حال الكفر لا بشرط اتصافه به وكذا المحدث مكلف بالصلاة في حال كونه محدثا لا بشرط كونه محدثا ويرد عليه على كل من التقريرين أن ترك المقدمة قد يفضي إلى امتناعها كما إذا ترك الذهاب إلى الحج مع الرفقة الأخيرة أو كان الماء منحصرا عنده في معين فأتلفه فإن ترك المقدمة حينئذ قاض بامتناعها ويتفرع عليه حينئذ امتناع ما يتوقف عليها فإن أراد بقوله إن المقدور كيف يكون ممتنعا أن المقدور حال كونه مقدورا لا يعقل أن يكون ممتنعا فمسلم وليس الكلام فيه وإن أراد أن المقدور لا يمكن أن يطرأه الامتناع فهو واضح الفساد قوله وتأثير الإيجاب في القدرة غير معقول يعني أن تأثير إيجاب المقدمة في المقدرة عليها ليكون ذلك باعثا على القدرة على ما يتوقف عليها أو أن تأثير إيجاب المقدمة في القدرة على ما يتوقف عليها غير معقول ويجري الوجهان في قوله أن المقدور كيف يكون ممتنعا فإنه يمكن أن يريد به المقدمة المقدورة كما يشعر به قوله والبحث إنما هو في المقدور لما قيد به عنوان البحث ولما ادعى المستدل امتناع ذي المقدمة حال ترك مقدمته وكانت استحالته حسبما قرره مبنية على استحالة المقدمة أفاد بذلك حصول القدرة عليها حين تركها فلا يعقل استحالة الواجب من جهة انتفائها ويمكن أن يريد به أن الواجب المقدور كيف يكون ممتنعا حال انتفاء مقدمته مع أن المفروض حصول القدرة عليه فإن البحث في المقام إنما هو في المقدور إذ لا وجوب مع انتفاء القدرة ثم إن ظاهر العبارة أن ذلك من تتمة الجواب حسبما مر من تقريره وجعله بعضهم جوابا آخر على سبيل النقض بأنه لو تم الدليل المذكور لجرى على القول بوجوب المقدمة حسبما مر الكلام فيه وفيه خروج عن ظاهر سياق العبارة ويرد عليه حينئذ ما مرت الإشارة إليه هذا وقد يورد على الدليل المذكور بوجوه أخر منها أنه إن أريد بالملازمة المدعاة من أنها لو لم يكن واجبة لجاز تركها أنها إذا لم تكن واجبة بالأمر المتعلق بذيها جاز تركها فالملازمة ممنوعة لجواز أن تكون واجبة بأمر آخر وإن أريد أنها لو لم تكن واجبة مطلقا فالملازمة مسلّمة لكنها لا يثبت المدعى وضعفه ظاهر أما أولا فلأن المقصود في المقام دلالة مجرد إيجاب الشيء على وجوب مقدمته مع عدم قيام شيء من الأدلة الخارجية على وجوب المقدمة وحينئذ فاحتمال قيام دليل من الخارج على وجوبها خروج عن المفروض في المقام وأما ثانيا فبأنا نختار الوجه الأول وما ذكر من منع الملازمة إن أريد به منع الملازمة بين عدم الوجوب بذلك الأمر وجواز تركه بالنظر إليه فهو واضح الفساد